:حول المؤتمر القادم لنقابة الصحفيين
إصرار على الإقصاء... إصرار على الشدّ إلى الوراء
بعد مخاض عسير، وطول أخذ وردّ، ومشاورات ومفاوضات واتفاقات – طبعا لم يقع احترامها – خرج علينا المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، المنتخب في مؤتمر 15 أوت، ببلاغ أول أكد فيه تاريخ 16 جانفي 2011 موعدا للمؤتمر، وبعدها بأيام، أصدر بلاغا ثانيا حول شروط وآجال الترشّح للمكتب التنفيذي الذي سينبثق عن هذا المؤتمر.
ما يهمّنا في هذه المسألة هو الشرط الرئيسي للترشّح، وهو أن يكون المترشّح حاملا لخمس بطاقات بصفة عضو عامل، وهو شرط لا يعلم الا الله والضالعون في العلم، مصدره ولا أي قانون أعتمد في تثبيته.
فهو شرط، لاقانوني ولا نقابي ولا وفاقي، ولا ينمّ الا على عقلية تآمرية، تفتّق ذكاؤها الانقلابي مرة أخرى، على هذه البدعة، كي تعزل أكبر نسبة من الصحفيين عن المسؤولية النقابية، وكي تعود، الى دائرة الجمعية، أي الى منطق "المكتب المهني" الذي يدجّن جميع الجمعيات والمنظمات والنقابات، ويلحقها بالحزب الحاكم.
فالذي يجري الان هو انقلاب بأتمّ معنى الكلمة، وهو لا يعني شيئا سوى أنه تعدّ لا أخلاقي ولا قانوني على حقوق شريحة واسعة من الصحفيين، من أبناء النقابة، الذين ساهموا في تأسيسها، وفي مؤتمرها الاول، ومؤتمر 15 أوت أيضا، والذين أملوا منها الكثير، واعتقدوا أنها يمكن أن تكون المعبّر عن طموحاتهم، والحاضن لاختلافاتهم، والمدافع الوحيد عن مطالبهم.
والغريب أن العقلية الانقلابية نفسها، تفسّر التزامها بهذا الشرط، رغم أنه وقع تنقيحه، من قبل المكتب الشرعي، بأن التنقيح لم يقع إيداعه من قبل المكتب السابق عند الجهات المسؤولة، مما يعني بطلانه. طيّب لنأخذ بهذا التفسير، ولنسأل السادة أعضاء المكتب التنفيذي: ألم تقيموا مؤتمر 15 أوت على أساس هذه التنقيحات؟ ألم تنشئوا لجانا متعددة ومتنوعة وتنشط الان، على أساس هذه التنقيحات؟ ألم تبرموا اتفاقات للسكن والمنح والرواتب على أساس هذه التنقيحات؟ ألم تتفقوا مع شركات الكمبيوتر والتيليكوم على أساس هذه التنقيحات التي لم يقع إيداعها لدى الجهات المسؤولة؟ ألا يسمّى هذا إقصاء مقننا وممنهجا ومقصودا للصحفيين؟ أليس في ذلك ضحك على الذقون، وحجب للحقائق؟
لقد حصل ما حصل يوم 15 أوت، واعتقدنا أن الصفحة قد طُويت، وجرت عدة اتصالات، وعبّر البعض من أعضاء المكتب التنفيذي الحالي عن حسن نوايا، واتفق الجميع على عقد مؤتمر وفاقي يكون حاضنا لجميع الصحفيين بمختلف توجهاتهم ومشاربهم، وتكون فيه الكلمة الفصل، لصندوق الاقتراع، وحضرت عديد الأطراف العربية والدولية هذه الاتفاقية في كاديس وباركتها وشهدت عليها، وبعد ذلك سمعنا بتراجعات متواصلة عن فحواها ومحتوياتها، حتى اقترب موعد المؤتمر، وبات ظاهرا للعيان أنه لن يقع الالتزام بها وأن المكتب الحالي لا تعنيه في شيء، وكأنه لم يبرمها أصلا.
لكن أن تصل المؤامرة الى حد إقصاء ثلاثة أرباع الصحفيين من المشاركة في الترشح وتحمل المسؤوليات في النقابة، فهذا ما لا يمكن السكوت عليه، وذلك لما فيه من خطورة على القطاع وعلى سمعة المهنة ومصلحة الوطن، ذلك أنه بهذا القرار المجحف فانه:
-وقع إقصاء ثلاثة أرباع الصحفيين تقريبا من حق الترشح للمكتب التنفيذي، وهو تحيّل قانوني يحاسب عليه من قام به.
-وقع الالتفاف على النقابة وإلغائها بشكل شبه تام، والعودة إلى المربّع الأول أي الى الجمعية الوطنية للصحفيين، وبالتالي إلغاء ثلاث سنوات من الجهد الصحفي، وإلغاء مؤتمرين للنقابة، وإلغاء كل نضالات الصحفيين، والعودة مباشرة الى اللمّة العائلية المصغّرة والمضيّقة جدا وذات اللون الواحد، التي كانت تشكّل الجمعية الوطنية للصحفيين التونسيين.
-الطعن في شرعية المئات من الصحفيين والصحفيات، من الذين ساهموا في تأسيس النقابة، رغم أنهم لم يكونوا منخرطين في الجمعية، أو انخرطوا فيها في سنوات 2007 و2008، وهو ما يُعتبر تعديا لا أخلاقيا ولا مشروعا، اذ بأي حقّ يُحرم المؤسّسون للنقابة من حقّهم في الترشّح، لمجرد أنهم لم يكونوا في الجمعية؟
-هذا الشرط يسيء الى القطاع الاعلامي، باعتباره شرطا تصفويا منذ البداية، يحصر المنافسة على المسؤولية، داخل تيار سياسي واحد، وبالتالي، يكرّر نفس ما وقع في مؤتمر 15 أوت لكن بأكثر حدة، باعتباره سيقصي أيضا شريحة واسعة من المؤتمرين الذين ناصروا المكتب الحالي وصعّدوه وعملوا معه، وسينقلب عليهم، لمجرّد أنهم ليسوا من قدماء الجمعية أو شيوخها. وبالتالي ستعود الساحة الإعلامية برمتها إلى مربّع الخلاف والقطيعة، وسيفرز المؤتمر القادم قيادة معزولة داخل القطاع، وغير فاعلة داخل الساحة.
-هذا الشرط، الذي يصحّ عليه وصف الشرط الجنائي، يعمل ضدّ مصلحة البلاد، وذلك من خلال شرذمة الصحفيين وإقصائهم والتفرّد بتسيير نقابتهم، وهو ما يجعلهم يلجؤون الى مختلف الأساليب لإسقاطه، بما يساهم في تعطيل تقدّم القطاع الإعلامي، الذي هو –حسب التعبير الرسمي: القاطرة التي تقود التقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والديمقراطية السياسية – أي أنه سيزيد من حالة الإرباك داخل المشهد السياسي والإعلامي والثقافي، ولن يكون مساعدا أبدا على إسناد خيارات الدولة والمجتمع.
-هذا الشرط يتعارض تعارضا صارخا مع توجهات السلط الرسمية، بايلاء الشباب المكانة التي يستحقها، والعناية به، وتمكينه من تحمل المسؤولية والمساهمة في الشأن العام، وبالتالي يعرقل مسيرة التنمية الإعلامية والسياسية، ويؤدّي حتما إلى مزيد الانغلاق والتكلّس والعودة بقطاعنا إلى الوراء.
ان الذي يحصل اليوم، بهذه الطرق الالتفافية، وهذه المسرحيات المكشوفة، ليس الا جزءا من العملية الانقلابية التي تمّ بمقتضاها الاستيلاء على النقابة، ويتم اليوم الاستيلاء على إرادة الصحفيين باسم القانون، ومصادرة حقّهم زورا وبهتانا، ولا نعلم على ماذا سيقع الاستيلاء غدا؟
محمد بوعود – صحفي – عضو عامل بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire